قال تقرير لموقع "أويل برايس" إن إغلاق مضيق هرمز يشكل تهديدًا وجوديًا لمصر صاحبة أكبر اقتصاد في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأقوى قوة سياسية وعسكرية فيها، والتي يرتبط استقرارها الاقتصادي ونظامها الطاقي وتوازنها السياسي ارتباطًا وثيقًا بأسواق الغاز العالمية، ولا سيما بتدفقات الغاز الإقليمية الهشة الحالية. 

 

وأوضح أنه إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، ستتوقف قطر للطاقة عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال بالكامل. وفي الوقت نفسه، سيتوقف إنتاج إسرائيل من الغاز البحري ، ولن تعاني مصر من نقص حاد في الطاقة فحسب، بل ستواجه أيضًا صدمة هيكلية لم تتضح معالمها بعد. 

 

وأشار إلى أن أي صدمة في مصر ستكون لها أيضًا عواقب جيوسياسية تمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.

 

وشدد على أن هذه الأزمة تتطلب تحليلاً عاجلاً، لا سيما بالنظر إلى الدور المحوري لمصر في الحفاظ على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. 

 

وقد أدى التصعيد العسكري في الخليج - والذي قد يتفاقم - إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية بشكل كبير. كما أن التهديدات الإيرانية للشحن، والتي تفاقمت بفعل سحب تأمين مخاطر الحرب، دفعت أسعار النفط الخام إلى الارتفاع، وساهمت في توقف إنتاج شركة قطر للطاقة، أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، والتي تُساهم بنحو 20 بالمائة من الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال. 

 

وبينما يُعزى هذا التوقف رسميًا إلى الضربات الإيرانية على منشآت رئيسة، فإن وقف الحركة في مضيق هرمز وتزايد المخاطر الأمنية البحرية يُعدّان عاملين حاسمين بنفس القدر. 

 

وفي الوقت نفسه، أمرت إسرائيل بإغلاق مؤقت لإنتاجها من الغاز البحري ردًا على الهجمات والتهديدات من إيران وحلفائها الإقليميين. والنتيجة هي فقدان مصدر حيوي آخر لإمدادات الغاز في شرق المتوسط. 

 

ورأى التقرير أن هذه التطورات - إلى جانب الشلل شبه التام لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز – لا تمثل اضطرابًا عاديًا في السوق، بل تُمثل خللاً هيكليًا في بنية الطاقة الإقليمية.

 

تداعيات وجودية على مصر

 

وبالنسبة للقاهرة، فقد حذر التقرير من أن الوضع الحالي له تداعيات ليست دورية بل يجب النظر إليها على أنها وجودية. وفي تقييمه لوضع مصر، أشار إلى أنها تحتل حاليًا موقعًا متناقضًا في أسواق الطاقة العالمية. فعلى مدى سنوات، ولا سيما منذ أواخر التسعينيات، روجت مصر لنفسها كمركز إقليمي للغاز، قادر على تزويد أوروبا بكميات إنتاج من الشرق الأوسط وشرق المتوسط. 

 

وفي الوقت نفسه، قال التقرير إن القاهرة تواجه وضعًا داخليًا متفاقمًا يتمثل في عجز هيكلي متزايد في الغاز. ويبلغ متوسط إنتاج مصر من الغاز حاليًا حوالي 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو أقل بكثير من الطلب المحلي الحالي البالغ 6 مليارات قدم مكعب يوميًا. وقد دفع هذا الوضع مصر وشركاءها الدوليين إلى السعي لزيادة الواردات لسد هذا العجز. ونظرًا لزيادة الطلب المحلي على الكهرباء، والتراجع العام في إنتاج الحقول الناضجة، وارتفاع الطلب على الكهرباء، أصبحت مصر مستوردًا صافيًا للغاز الطبيعي المسال منذ عام 2024.

 

استقرار الطاقة

 

بالنسبة لمصر، فقد حذر التقرير من أن تأثير هذا الخلل الهيكلي لا يقتصر على التسبب في ضغوط فحسب، بل يُعرّض نموذجها الاقتصادي الحالي للخطر. فقد أصبح اقتصادها يعتمد بشكل متزايد على استقرار الطاقة، الذي يرتكز على دعم الكهرباء، والإنتاج الصناعي، وإنتاج الأسمدة، وعائدات السياحة. وترتبط جميع هذه القطاعات ببعضها البعض، وتعتمد هيكليًا على إمداد مستمر بالكهرباء. 

 

وقال إن خلال السنوات الأخيرة، أعاق نقص الطاقة النمو الاقتصادي، وزاد التضخم، وزعزع الاستقرار الاجتماعي. فيما أوضح أن الاستقرار بجميع أشكاله يُعدّ أولوية لصناع القرار في مصر، بما في ذلك القوات المسلحة. وقد تسببت حالات عدم الاستقرار، ونقص الطاقة، والضغوط الاقتصادية في انهيار أنظمة سابقة.

 

وفي ظل ظروف السوق الطبيعية، ذكر التقرير أن نظام الغاز في القاهرة يرتكز على ثلاثة مصادر خارجية: واردات الغاز الطبيعي المسال (بما في ذلك الشحنات القطرية)، والغاز عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل، وأسواق الغاز الفورية العالمية المرنة. أما الآن، فيُهدد إغلاق مضيق هرمز هذه المصادر جميعها في آن واحد.

 

تعليق إمدادات الغاز القطري 

 

وأشار إلى أن الصدمة الكبرى الأولى جاءت من قطر، حيث أدى تعليق الدوحة لإمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى فقدان ركيزة أساسية من سيولة الغاز العالمية. بالنسبة للقاهرة، تُعد هذه أطول فترة تعليق على الإطلاق، إذ كانت قد أبرمت للتو اتفاقيات لاستيراد ما يصل إلى 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب على الكهرباء خلال صيف 2026. 

 

وإذا استمرت الكميات القطرية خارج النطاق المطلوب، فقد تنبأ التقرير بأنه سيتعين على القاهرة دخول سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي شديد التنافسية، والتنافس مع آسيا ودول آسيوية أخرى. في ظل الارتفاعات الحالية في أسعار الغاز الطبيعي المسال، لن تتمكن مصر من المنافسة عمليًا، لافتقارها إلى احتياطيات مالية كافية لاستيعاب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال لفترات طويلة. 

 

وأوضح أنه عندما تبقى أسعار الشحنات الفورية مرتفعة، فإن ذلك سيضغط بشكل مباشر على احتياطيات النقد الأجنبي، التي تعاني أصلًا من ضغوط الديون والاعتماد على الواردات. في غضون فترة وجيزة، قد تواجه القاهرة مشكلة جديدة في ميزان المدفوعات بسبب فواتير الطاقة.

 

تعليق صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر

 

وبحسب التقرير، فإن الصدمة الثانية التي تضرب مصر تأتي بوضوح من إسرائيل، إذ تعتمد صادرات الغاز الطبيعي المسال المصرية، فضلاً عن الكهرباء المحلية، على صادرات الغاز الإسرائيلي عبر خطوط الأنابيب من حقول بحرية، مثل حقلي ليفياثان وكاريش. ويعمل الإمداد الإسرائيلي حاليًا كآلية توازن محورية في نظام الطاقة المصري. 

 

وهنا يبرز عدم التوازن: فبإمكان الإسرائيليين وقف الصادرات دون أن يتأثر استهلاكهم المحلي، بينما تواجه القاهرة نقصًا فوريًا في الطاقة. ويؤدي القرار الإسرائيلي فعليًا إلى إزالة أكثر مصادر الإمداد مرونةً لمصر. ورغم أن القرار الإسرائيلي يُعد إجراءً أمنيًا، إلا أنه يُصبح بالغ الأهمية بالنسبة لمصر، كما يشير التقرير.

 

ولفت التقرير إلى أن مصر تواجه تصاعدًا في الأسعار العالمية. فارتفاع أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي المسال سيؤدي إلى موجات تضخمية في الاقتصادات المستوردة، وبخاصة في مصر. كما أن ارتفاع أسعار المواد الهيدروكربونية سيزيد من اتساع العجز المالي نتيجة لضغوط الدعم، وسيؤدي إلى انخفاض قيمة الجنيه المصري.

 

مثلث العملة والغذاء والطاقة أخطر نقطة ضعف لمصر

 

وقال إنه لعقود طويلة، شكّل مثلث العملة والغذاء والطاقة أخطر نقطة ضعف في تاريخ مصر. وكما هو الحال دائمًا في تاريخها، فإن ارتفاع التكاليف ونقص الطاقة ومشاكل الغذاء لا تدفع الناس إلى الشوارع فحسب، بل تُزعزع استقرار القيادة في البلاد أيضاً. ومصر مثالٌ بارزٌ على ذلك، حيث يبقى الاستقرار الاقتصادي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشرعية السياسية.

 

وفي الوقت نفسه، ثمة آثار أخرى واضحة، تتجاوز أسواق الطاقة لتشمل استراتيجية مصر الاقتصادية الأوسع. فعلى مدى سنوات، استثمرت القاهرة بكثافة في ترسيخ مكانتها كمركز لتصدير الغاز في شرق المتوسط، على أساس أنها ستزود الأسواق الأوروبية بالغاز الطبيعي المسال. إلا أن هذا كله مرهون بتوافر الغاز وفائضه الهيكلي. وقد بدأت الأسواق بالفعل في التشكيك في كل ذلك، إذ لطالما أكدت القاهرة أن صادراتها من الغاز الطبيعي المسال ستكون قابلة للانقطاع الهيكلي، مع إعطاء الأولوية لتوليد الطاقة محلياً على الصادرات.

 

زفي ظل سيناريو اضطراب هرمز-إسرائيل، وهو السيناريو القائم حاليًا، تنهار الصادرات تمامًا، بينما يُعاد توجيه الغاز لتلبية احتياجات الكهرباء المحلية. ويُفقد أحد أهم مصادر دخل القاهرة من العملات الأجنبية، لا سيما مع ارتفاع فواتير الاستيراد.

 

تأثر القطاع الصناعي في مصر

 

وعلى الصعيد المحلي، توقع التقرير أن تتأثر الصناعة المصرية بشدة، إذ سبق أن أعلنت السلطات عن فرض تخفيضات في إمدادات الطاقة للمستهلكين الصناعيين في حال استمرار التصعيد الإقليمي. وهذا يُشير إلى هشاشة هوامش الإمداد في مصر. وستكون مصانع الأسمدة والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة من أبرز القطاعات المتضررة، ولا ننسى أن هذه القطاعات تُعدّ من أهم مصادر الدخل من الصادرات. ولن يؤدي تقليص الإنتاج في هذه القطاعات إلى إجهاد الاقتصاد فحسب، بل سيزيد أيضاً من معدلات البطالة.

 

كما سلط الصوء على تداعيات تأثير القطاع البحري على قاعدة إيرادات مصر، فإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيُعيد تشكيل الطرق البحرية العالمية ويُقلل من حركة النقل البحري المرتبطة بصادرات الطاقة الخليجية. ولن يؤدي عدم الاستقرار أو التحركات بالوكالة في البحر الأحمر إلا إلى تفاقم هذه الآثار. وستواجه مصر انخفاضًا حادًا في إيرادات قناة السويس، التي تُعدّ من أهم مصادر عملتها الأجنبية.

 

ووصف التقرير الصراع الإيراني اليوم بأنه يشكل تحديًا نادرًا لمصر، إذ تتداخل فيه عدة صدمات تُنذر بارتفاع تكاليف الاستيراد، وانخفاض عائدات التصدير، ونقص الطاقة، وتباطؤ الصناعة، وضغوط على العملة. وسيكون هذا وقتًا عصيبًا على أصحاب النفوذ في القاهرة، لا سيما مع إدراكهم أن حكومة السيسي تواجه بالفعل تحديات جمة، منها الإصلاحات المدعومة من صندوق النقد الدولي، وضغوط إعادة هيكلة الديون، ومواجهة التضخم.

 

جيوسياسيًا، يُظهر الوضع المحيط بإيران بوضوح اعتماد مصر المتزايد على استقرار الطاقة الإقليمي الخارج عن سيطرتها. وتُشير التطورات الحالية إلى أن أمن الطاقة في البلاد بات رهينةً فعلياً لضغوط جيوسياسية متعددة، تشمل المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، وأمن الملاحة البحرية في الخليج، وهشاشة البنية التحتية البحرية، وفق التقرير.

 

التخفيف من حدة الصدمة الفورية في الإمدادات

 

وخلص إلى أنه ليس من السهل التخفيف من حدة الصدمة الفورية في الإمدادات، حتى مع تنويع مصادرها من أفريقيا وغيرها. وفي الوقت نفسه، من غير المرجح تقديم دعم مالي عربي، إذ إن الرياض وأبو ظبي والدوحة منشغلة بأمور أخرى. بالنسبة لمصر، يعني هذا أن الأزمة قد لا تنتهي بمجرد استئناف ناقلات النفط لرحلاتها، فقد انكشفت بالفعل مواطن الضعف الهيكلية. 

 

وفي الوقت نفسه، يدعو التقرير الأوروبيين إلى إدراك أن استمرار الأزمة الاقتصادية المصرية لفترة طويلة قد يتحول بسهولة إلى قضية أمنية أوروبية بقدر ما هي قضية شرق أوسطية. إذا لم تُتخذ أي إجراءات أو تُقدم أي مساعدة، فقد تصبح مصر أول ضحية اقتصادية كبرى في حقبة جديدة من حرب الطاقة. 

 

وانتهى إلى التحذير من أن حالة عدم الاستقرار في مصر لا يمكن للأسواق العالمية وأسواق الطاقة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحملها في الوقت الراهن.

https://oilprice.com/Energy/Natural-Gas/A-Hormuz-Shock-Could-Push-Egypt-to-the-Brink.html